حاورته : بثينة الزغلامي
في نصوص وليد سليمان المترجمة تتداخل ثقافات مختلفة ويرحل بالقارئ نحو عواصم عدة بين الصين والأرجنتين وموسكو وروما يحاور النصّ ويستنطقه قائلا «كل العواصم وطني والجغرافيا لا تهمني كثيرا» مستذكرا مقولة ماركيز «المترجمون الطيبون المساكين»، مستندا في الأثناء على إرث ورقي لا يزال يغري القارئ مهما كانت انتماءاته الجغرافية ومرتكزاته الأدبية والفنية فيستذكر إمضاء للكاتب جون ستيوارت «هل كل الأشياء الجميلة الموجودة هي ثمرة الأصالة»، ويطرح من خلال منشوراته قضية مدّ الجسور بين الثقافات مثبتا أن الكتاب الورقي لا يزال متشبثا بمنزلته كمصدر للمعرفة والقراءة الأول ورغم هيمنة لغات عالمية عديدة إلا أنه يعتبر أن العربية جسر وإحالة وتواصل مع ترجمات ولغات أخرى وهو الذي لا يزال يردد أن الأدب فنّ الإدهاش، وان الانترنت ليست البديل عن الكتاب الورقي.
كيف كانت البدايات وما هي الأسماء التي تأثرت بها؟
قائمة التأثيرات طويلة وهي نوعان: هناك تأثيرات أدبية بحتة وهناك تأثيرات إنسانية. فالأولى توجد عندما يكون لدى الكتاب الذي أقرؤه صدى لما أطمح إليه في الكتابة. فمثلا أعتبر ماركيز من الكتاب الذين تأثرت بهم أكثر من غيره، ذلك أنه استطاع أن يهضم تراث الرواية العالمي ويصنع نهجه الخاص. وهناك تأثيرات أخرى تتعلق مثلا بالشكل والأسلوب أو بقدرة الكاتب على إعادة إنتاج الواقع أدبيا. وأذكر من بين هؤلاء بورخيس ونابوكوف وبولغاكوف وبارغاس يوسا وبيسوا. ورغم أن هذا الأخير ليس روائيا إلا أن شعره يعلمنا الكثير من حيث الاشتغال على اللغة وإعادة إنتاج الواقع.
أما التأثيرات الإنسانية فهي تعود إلى تعلقنا بالجانب الإنساني في الكاتب، فكتابات جان بول سارتر مثلا قد تكون تجاوزتها الأحداث لكنه يظلّ رمزا بمواقفه وفكره، وهذا ينطبق أيضا على ساراماغو. وأشير إلى أنه لا يمكن للكاتب أن ينجو من تأثيرات الأدباء الذين نجد بصماتهم مبثوثة في ثنايا ما يكتبونه أو ما يقولونه، ومع كل هذا لا بد أن تكون للكاتب القدرة على النقد وإلا فإنه سيتحول إلى مجرد مقلّد لغيره. وهذا ينطبق على الكتاب السيئين الذين لم يستطيعوا أن ينجوا من سطوة كبار الأدباء فصار أدبهم نوعا من المسخ لأعمال فذة.
ما العلاقة التي تجمع بين الترجمة وكتابة القصة القصيرة؟
أعتبر أن الترجمة والكتابة القصصية أسلوبان للتعامل مع اللغة، وفي اعتقادي أن احدهما يكمّل الآخر. أذكر أن بداياتي مع الترجمة كانت من خلال قصيدة لبودلير أغرمت بها وحاولت أن أترجمها لأنجو من سطوتها. وكان ذلك فخّا جميلا لم أنج منه إلى حدّ الآن. وبعد ذلك اقتنعت بأن أفضل طريقة لقراءة نصّ هي ترجمته، حيث يدخل المترجم في نسيج هذا النصّ ويلمّ ببعض أسراره. وهكذا وجدتني أترجم بانتظام. والواقع أن أهم شرط لترجمة نصّ من النصوص هو حبنا له، وإلا فإن الترجمة تكون فرضا غير مرغوب فيه وعملا شاقا مفروضا على المترجم.
هل ان الترجمة إعادة غير أمينة لنص المصدر؟
المترجم ليس مجرد مقلّد للكاتب ولكنّه يعيد إنتاج النص على طريقته معتمدا على ثقافته وبيئته وخبرته، ولذلك يمكن الحديث عن «مذاق» للترجمة. فلو أخذنا نصّا مترجما في عدة ترجمات لوجدنا أن «مذاق» نص الوصول يختلف من ترجمة إلى أخرى. وعندما أتحدث عن "المذاق" فإني أقصد تلك الكيمياء الإبداعية التي يصعب تفسيرها. غير أن القراء يتعرفون على أسلوب كل مترجم نظرا للخصائص التي يمتلكها نصه مما يميزه عن غيره. وهذا إيجابي لأننا نحتاج دائما إلى أكثر من ترجمة للنصّ الواحد لأن اللغة تتطوّر وكذلك السياق الحضاري، وبالتالي فإن عمل المترجم يحتاج إلى أن يواكب هذه التطورات. وكمثال على ذلك أعمال شكسبير، حيث يحتاج كل جيل إلى ترجمة جديدة لمسرحياته، وهذا ما يحدث في الدول المتقدمة التي تحرص دوما على تقديم رؤى جديدة ودقيقة للأعمال المهمة.
ترجماتك أغزر من كتاباتك الأدبية إلى ماذا تترجم هذا المعطى؟
بدأت الكتابة مبكرا لكنّ النشر تأخر لعدة سنوات ذلك أنني أعتقد أن النشر ليس غاية في حد ذاته وأؤمن بان الفائدة تتمثل في جودة ما نكتب وليس في كثرة ما ننشر.
كيف تفهم تقنيات القصة القصيرة باعتبارك قاصا؟
معروف أن القصة القصيرة من أصعب الأجناس الأدبية لأنّها تعتمد على التكثيف ولا تحتمل الثرثرة. وفي كل كتاباتي أحاول أن أطوّر تقنيات قصصي، لأن التجاوز مهم في هذا الجنس الأدبي، وإلا فانّ النصّ يصبح مجرّد تقرير. ولحسن حظي أن إتقاني لعديد اللغات يسمح لي بأن أطّلع على تجارب مهمة شرقا وغربا والتي من دونها أرى أفق الكاتب ضيق جدا. إن الاطلاع على تجارب كتاب مهمين مثل غي دي موبسان وغراهام غرين وإرنست همنغواي وهوراسيو كيروغا ودينو بوزاتي وغيرهم تجعل الكاتب يدرك صعوبة تقديم إضافة تقنع القراء وتتماشى مع العصر. وفي الأدب العربي، تعجبني كثيرا قصص زكريا تامر ويوسف إدريس الذي يعتبر مدرسة في فن القص. أما في الرواية فأعتبر كتابات الطيب صالح من أجود ما كتب في الأدب العربي الحديث.
كيف تقيم علاقة الكتاب الورقي بالإنترنت؟
كان لظهور الإنترنت نتائج حاسمة على الأدب. فبقدر ما سهّلت هذه الوسيلة نشر النصوص بسرعة فإنها «صعّبت» المهمة على الكاتب الذي لا يستطيع إقناع القراء بما ينشره، فهي محك خطير للنصوص. وحاليا لا يمكن للانترنت أن تأخذ مكان النشر الورقي لأنها صيرورة تحتاج إلى عقود عديدة، وهي مرتبطة بعوامل خارجية عدة كعقلية القراء، والقدرة على التعامل مع الوسائط المتعددة، وحماية حقوق المؤلف، فالانترنت تسهّل القرصنة مثلما حدث مع رواية «ذاكرة غانياتي الحزينات» لماركيز...ولكن في المقابل، هناك من الكتاب من استطاع أن يوظف هذه الأداة لصالحه مثل باولو كويلو.
وفي انتظار أن يكون الكتاب الالكتروني هو الطاغي يجب على القارئ أن يستمتع بالكتاب الورقي ذلك انه مدونة تحمل الكثير من الذاتية في علاقته بالقارئ.
المصدر:
جريدة "الصحافة" التونسية
الخميس 22 جانفي 2009






