2009-03-04

وليد سليمان لجريدة "الصحافة" التونسية : الكتاب الورقي مصدر أساسي للمعرفة الإنسانية


حاورته : بثينة الزغلامي

في نصوص وليد سليمان المترجمة تتداخل ثقافات مختلفة ويرحل بالقارئ نحو عواصم عدة بين الصين والأرجنتين وموسكو وروما يحاور النصّ ويستنطقه قائلا «كل العواصم وطني والجغرافيا لا تهمني كثيرا» مستذكرا مقولة ماركيز «المترجمون الطيبون المساكين»، مستندا في الأثناء على إرث ورقي لا يزال يغري القارئ مهما كانت انتماءاته الجغرافية ومرتكزاته الأدبية والفنية فيستذكر إمضاء للكاتب جون ستيوارت «هل كل الأشياء الجميلة الموجودة هي ثمرة الأصالة»، ويطرح من خلال منشوراته قضية مدّ الجسور بين الثقافات مثبتا أن الكتاب الورقي لا يزال متشبثا بمنزلته كمصدر للمعرفة والقراءة الأول ورغم هيمنة لغات عالمية عديدة إلا أنه يعتبر أن العربية جسر وإحالة وتواصل مع ترجمات ولغات أخرى وهو الذي لا يزال يردد أن الأدب فنّ الإدهاش، وان الانترنت ليست البديل عن الكتاب الورقي.

كيف كانت البدايات وما هي الأسماء التي تأثرت بها؟

قائمة التأثيرات طويلة وهي نوعان: هناك تأثيرات أدبية بحتة وهناك تأثيرات إنسانية. فالأولى توجد عندما يكون لدى الكتاب الذي أقرؤه صدى لما أطمح إليه في الكتابة. فمثلا أعتبر ماركيز من الكتاب الذين تأثرت بهم أكثر من غيره، ذلك أنه استطاع أن يهضم تراث الرواية العالمي ويصنع نهجه الخاص. وهناك تأثيرات أخرى تتعلق مثلا بالشكل والأسلوب أو بقدرة الكاتب على إعادة إنتاج الواقع أدبيا. وأذكر من بين هؤلاء بورخيس ونابوكوف وبولغاكوف وبارغاس يوسا وبيسوا. ورغم أن هذا الأخير ليس روائيا إلا أن شعره يعلمنا الكثير من حيث الاشتغال على اللغة وإعادة إنتاج الواقع.

أما التأثيرات الإنسانية فهي تعود إلى تعلقنا بالجانب الإنساني في الكاتب، فكتابات جان بول سارتر مثلا قد تكون تجاوزتها الأحداث لكنه يظلّ رمزا بمواقفه وفكره، وهذا ينطبق أيضا على ساراماغو. وأشير إلى أنه لا يمكن للكاتب أن ينجو من تأثيرات الأدباء الذين نجد بصماتهم مبثوثة في ثنايا ما يكتبونه أو ما يقولونه، ومع كل هذا لا بد أن تكون للكاتب القدرة على النقد وإلا فإنه سيتحول إلى مجرد مقلّد لغيره. وهذا ينطبق على الكتاب السيئين الذين لم يستطيعوا أن ينجوا من سطوة كبار الأدباء فصار أدبهم نوعا من المسخ لأعمال فذة.

ما العلاقة التي تجمع بين الترجمة وكتابة القصة القصيرة؟

أعتبر أن الترجمة والكتابة القصصية أسلوبان للتعامل مع اللغة، وفي اعتقادي أن احدهما يكمّل الآخر. أذكر أن بداياتي مع الترجمة كانت من خلال قصيدة لبودلير أغرمت بها وحاولت أن أترجمها لأنجو من سطوتها. وكان ذلك فخّا جميلا لم أنج منه إلى حدّ الآن. وبعد ذلك اقتنعت بأن أفضل طريقة لقراءة نصّ هي ترجمته، حيث يدخل المترجم في نسيج هذا النصّ ويلمّ ببعض أسراره. وهكذا وجدتني أترجم بانتظام. والواقع أن أهم شرط لترجمة نصّ من النصوص هو حبنا له، وإلا فإن الترجمة تكون فرضا غير مرغوب فيه وعملا شاقا مفروضا على المترجم.

هل ان الترجمة إعادة غير أمينة لنص المصدر؟

المترجم ليس مجرد مقلّد للكاتب ولكنّه يعيد إنتاج النص على طريقته معتمدا على ثقافته وبيئته وخبرته، ولذلك يمكن الحديث عن «مذاق» للترجمة. فلو أخذنا نصّا مترجما في عدة ترجمات لوجدنا أن «مذاق» نص الوصول يختلف من ترجمة إلى أخرى. وعندما أتحدث عن "المذاق" فإني أقصد تلك الكيمياء الإبداعية التي يصعب تفسيرها. غير أن القراء يتعرفون على أسلوب كل مترجم نظرا للخصائص التي يمتلكها نصه مما يميزه عن غيره. وهذا إيجابي لأننا نحتاج دائما إلى أكثر من ترجمة للنصّ الواحد لأن اللغة تتطوّر وكذلك السياق الحضاري، وبالتالي فإن عمل المترجم يحتاج إلى أن يواكب هذه التطورات. وكمثال على ذلك أعمال شكسبير، حيث يحتاج كل جيل إلى ترجمة جديدة لمسرحياته، وهذا ما يحدث في الدول المتقدمة التي تحرص دوما على تقديم رؤى جديدة ودقيقة للأعمال المهمة.

ترجماتك أغزر من كتاباتك الأدبية إلى ماذا تترجم هذا المعطى؟

بدأت الكتابة مبكرا لكنّ النشر تأخر لعدة سنوات ذلك أنني أعتقد أن النشر ليس غاية في حد ذاته وأؤمن بان الفائدة تتمثل في جودة ما نكتب وليس في كثرة ما ننشر.

كيف تفهم تقنيات القصة القصيرة باعتبارك قاصا؟

معروف أن القصة القصيرة من أصعب الأجناس الأدبية لأنّها تعتمد على التكثيف ولا تحتمل الثرثرة. وفي كل كتاباتي أحاول أن أطوّر تقنيات قصصي، لأن التجاوز مهم في هذا الجنس الأدبي، وإلا فانّ النصّ يصبح مجرّد تقرير. ولحسن حظي أن إتقاني لعديد اللغات يسمح لي بأن أطّلع على تجارب مهمة شرقا وغربا والتي من دونها أرى أفق الكاتب ضيق جدا. إن الاطلاع على تجارب كتاب مهمين مثل غي دي موبسان وغراهام غرين وإرنست همنغواي وهوراسيو كيروغا ودينو بوزاتي وغيرهم تجعل الكاتب يدرك صعوبة تقديم إضافة تقنع القراء وتتماشى مع العصر. وفي الأدب العربي، تعجبني كثيرا قصص زكريا تامر ويوسف إدريس الذي يعتبر مدرسة في فن القص. أما في الرواية فأعتبر كتابات الطيب صالح من أجود ما كتب في الأدب العربي الحديث.

كيف تقيم علاقة الكتاب الورقي بالإنترنت؟

كان لظهور الإنترنت نتائج حاسمة على الأدب. فبقدر ما سهّلت هذه الوسيلة نشر النصوص بسرعة فإنها «صعّبت» المهمة على الكاتب الذي لا يستطيع إقناع القراء بما ينشره، فهي محك خطير للنصوص. وحاليا لا يمكن للانترنت أن تأخذ مكان النشر الورقي لأنها صيرورة تحتاج إلى عقود عديدة، وهي مرتبطة بعوامل خارجية عدة كعقلية القراء، والقدرة على التعامل مع الوسائط المتعددة، وحماية حقوق المؤلف، فالانترنت تسهّل القرصنة مثلما حدث مع رواية «ذاكرة غانياتي الحزينات» لماركيز...ولكن في المقابل، هناك من الكتاب من استطاع أن يوظف هذه الأداة لصالحه مثل باولو كويلو.

وفي انتظار أن يكون الكتاب الالكتروني هو الطاغي يجب على القارئ أن يستمتع بالكتاب الورقي ذلك انه مدونة تحمل الكثير من الذاتية في علاقته بالقارئ.

المصدر:

جريدة "الصحافة" التونسية

الخميس 22 جانفي 2009


2008-07-04

القاص والمترجم التونسي وليد سليمان لصحيفة العرب العالمية: الأدب فن الادهاش



العرب-عبد المجيد دقنيش:


إذا كانت الكتابة بالنسبة إلى البعض مجرد كلمات متقاطعة، فإن وليد سليمان أثبت أن الكتابة كيمياء الروح واستشراف لعوالم سحرية واكتشاف لأغوار الذات، لأن المبدع الحقيقى حسب رأيه ليس إلا سندبادا للنفس البشرية.

ووليد سليمان هو من الوجوه الفاعلة فى الساحة الثقافية، يمارس الترجمة الأدبية عن الفرنسية والانجليزية والاسبانية ويشرف على قسم الترجمة بموقع "دروب" الثقافي. وقد ازدادت قدمه رسوخا فى الساحة الأدبية منذ مولوده الأول ومجموعته القصصية الصادرة حديثا "ساعة أينشتاين الأخيرة"التى اكتشفنا فيها قصصا ممتعة مثل "محاولات سيزيف" و"فى ساحة جان جينيه" و"القبلة" و"كلام مجانين" و"المراهق" وتعرفنا فيها على شخصيات منفلتة من المكان والزمان ولكنها تشبهنا حد التطابق.. أو هى رجع صدى لأحلامنا وتيهنا وغربتنا فى هذا الكون.. ومعبّرة عن توق الانسان إلى التخلص من "اللحظة السيزيفية" لذلك أقرّ وليد سليمان فى هذا الحوار بأن على الكاتب أن يتحرر من المحلية الضيقة وينشد الكونية وحاول أن يكشف لنا أغوار شخصياته العجيبة التى تظهر فجأة وتختفى فجأة حسب إرادة السارد هذا "المحرك الذى لا يتحرك" .


ماهو شعورك وأنت تخرج للقرّاء باكورة أعمالك؟ المولود الأول هل له مذاق خاص مثل "القبلة الأولى"؟
طبعا للعمل الأول لذة لا تضاهيها لذة، فصدور الكتاب الأول يعتبر بمثابة التتويج بعد مرحلة المخاض المتمثلة فى الكتابة وإعادة الكتابة. ولكن حسن تقبل هذا العمل الأول يضع على عاتق الكاتب مسؤولية كبيرة ويدفعه إلى مزيد العمل لشد انتباه القارئ الذى صار صعب الإرضاء فى خضم هذا الطوفان من الأعمال الأدبية التى تنشر كل يوم هنا وهناك.


عنوان المجموعة القصصية "ساعة اينشتاين الأخيرة" فيه الكثير من الطرافة والإيحاء، فهل وجدت صعوبة فى اختيار هذا العنوان؟ ثم ما مدى أهمية العنوان فى أى عمل إبداعي؟

فى قصصى أولى اهتماما خاصا بالعنوان الذى يبقى بمثابة الواجهة فى العمل الأدبي. أما بالنسبة إلى عنوان المجموعة فهو مستمد من القصة الأولى. هناك عناوين تفرض نفسها على الكاتب الذى عليه أن يكون خلاقا ويبتعد عن الكليشيهات.


لاحظت من خلال مختلف التصديرات التى صدرت بها بعض القصص أن مرجعياتك كلها غربية عالمية من بورخيس إلى جيمس جويس، وجان جينيه وألبير كامو وبيكيت وفلاديمير نابوكوف. فهل جاء ذلك صدفة أم هو توظيف ومحاولة للتأثير على القارئ عبر هذه القامات الكبيرة فى الكتابة؟

أولا أريد أن أؤكد أن التصديرات فى قصص "ساعة اينشتاين الأخيرة" ليست من باب الترف أو الزينة، بل هى تدخل فى نسيج الكتابة وتم توظيفها بعناية. وان قراءة واعية لهذه المجموعة تؤكد أن مدلولات القصص المُكوّنة لها قد تتغيّر تماما إذا حذفنا هذه التصديرات. إن هذه الطريقة فى الكتابة، فى اعتقادي، تخلق نوعا من الحوار الإبداعى بين القاص وكـُتّابه الأثيرين. الكاتب يستحضر الكتّاب الذين يحبّهم وهو يعلن بذلك عن الأسرة الأدبية التى ينتمى إليها.


فى الحقيقة هذا السؤال يجرنا إلى الحديث عن أهم المدارس والتجارب التى تأثر بها وليد سليمان؟

كى أكون دقيقا سأقول إنى تأثرت بأعمال أدبية بعينها أكثر مما تأثرت بمدرسة أو بمذهب أدبي. طبعا هناك كتاب مفضّلون، وفى حالتى أذكر مثلا: نابوكوف، كويتزي، ماركيز، جويس،همنغواي، فوكنر، بورخيس، بولغاكوف...وكل كاتب من هؤلاء يِؤثر فيك من ناحية معينة. قد نتأثر بلغة كاتب، أو بتقنيات الكتابة لديه أو باستراتيجيات السّرد أو حتى بطريقة إعادة إنتاجه للواقع. ولكن فى حالتى لا تقتصر التأثيرات على الأعمال الأدبية وإنما تتعدّاها إلى طرق التعبير الأخرى "مسرح، سينما، فوتوغرافيا، فن تشكيلي...". فالكتابة الحديثة تقوم على هضم التعبيرات الفنية المختلفة وإعادة إنتاجها ضمن نسيج لغوى معقد وبأدوات سردية متجددة.


لاح بوضوح فى هذه المجموعة القصصية تأثرك بمناخات عالمية معينة وكأنى بك تدحض انتماءك إلى بيئة ضيّقة وتتنصل من الجغرافيا وهذا نلمسه خاصة فى إطلاقية الزمان والمكان وكونية الأحداث فى أغلب القصص، فهل ينطبق عليك ما جاء على لسان إحدى الشخصيات فى قصة "فى ساحة جان جينيه" حين قالت :"كل العالم وطني...الجغرافيا لا تهمنى كثيرا..."؟

على الكاتب، فى نظري، أن يتحرر من المحليّة الضيقة وينشد أفقا أرحب. لقد صرنا نعيش فى عالم انهارت فيه الحدود وألغيت فيه المسافات، فلماذا لا ينطلق الكاتب فى عملية استكشاف لعوالم جديدة وأماكن مختلفة؟...ولكن ذلك لا يمنع الإنسان من أن يتجذر فى محيطه ويتشبّع ببيئته. فأنا، رغم هذه النزعة الكونية التى أدعو إليها، حريص كل الحرص على التمسّك بالثوابت والالتصاق بالهوية. قد يتغيّر "الديكور" فى قصصي، ولكن الشخصيات تبقى منخرطة فى سياقها ومحيطها وحاملة لهموم الآن وهنا.

برأيك كيف تفسّر هذا التلازم والجدليّة بين الإبداع وذات المبدع المشرئبة، القلقة والباحثة أبدا عن الانعتاق من الأطر الزمكانية تأصيلا لقولة المتنبي: "وإذا كانت النفوس كبارا ** تعبت فى مرادها الأجسام"؟
من أهم وظائف الأدب الإدهاش والبحث عن أفق أرحب والسفر فى الزمان والمكان. والشخصية الأدبية الناجحة هى تلك التى يتماهى معها القارئ بسهولة ويحقق من خلالها ما يعجز عن تحقيقه فى الواقع. ولعل الملاحم الأدبية العظيمة مثل "الأوديسة" و"جلجامش" أبرز مثال على هذا التوجّه، فبتماهى القارئ مع "أنكيدو" أو "أوليس"، يكسر قيود واقعه المبتذل ويسافر إلى عوالم بعيدة. والمبدع الحقيقى ليس إلا سندبادا للنفس البشرية ومستكشفا لأغوار الذات.


هناك حضور للجانب الذاتى وطغيانه فى عدّة قصص مثل "فى ساحة جان جينيه" و"المراهق"، أفلا تخاف من السقوط فى إغواء تضخم الذات المبدعة و"الأنا" وطغيان السرد الذاتى للواقع على الجانب الفني؟
إن حضور الأنا فى بعض قصص المجموعة لا يعكس تضخما للذات بقدر ما يعبّر عن تقنية فى السرد تستدرج القارئ بجعله يتماهى مع الأنا الساردة. وهذه التقنية لها مزية الزجّ بالقارئ فى متاهات الحكاية وجعله ينظر إلى الأمور بعين السارد. إذن لا يجب النظر إلى "الأنا" على أنها ضرب من النرجسيّة أو تضخّم الذات.


أنت تمارس الترجمة الأدبية عن الفرنسية والانجليزية والاسبانية وتشرف على قسم الترجمة بموقع "دروب" فكيف ترى واقع الترجمة ومستقبلها فى العالم العربي؟

واقع الترجمة الأدبية فى العالم العربى تنطبق عليه حسب رأيى مقولة "تسمع جعجعة ولا ترى طحنا".
هناك مبالغ ضخمة تنفق فى هذا المجال ولكن النتائج هزيلة ومخيبة للآمال، وسبب ذلك فى رأيى يعود إلى غياب مسح شامل ومنهجى يسمح بمعرفة الإمكانيات المتاحة والتخطيط لأفضل سبل استغلالها. كما أن غياب التنسيق على المستوى العربى فاقم هذه المشاكل وأدى إلى إهدار الكثير من الجهد والوقت. ومع ذلك لا بد أن ننوّه ببعض التجارب الناجحة التى أثبتت جدواها وديمومتها مثل سلسلة "عالم المعرفة" وسلسلة "المسرح العالمي" التى صارت تسمى "إبداعات عالمية" من الكويت والمشروع القومى للترجمة الذي أطلقته مصر. وهناك مشاريع بصدد التركيز نأمل لها النجاح مثل مشروع "ترجم" الإماراتي الذي يعد بالكثير.

من خلال انفتاحك وحضورك الفاعل والمكثف فى فضاء الانترنات، هل ترى أن هناك تأثيرا وتبدلا فى طرق الكتابة والقراءة والترجمة بفضل هذه الفضاءات والبوابات الالكترونية الكثيرة؟ وهل هو تأثير ايجابى أم سلبي؟

الأدب هو الأدب سواء كان منشورا على حامل ورقى أم على موقع إلكترونى أم على قرص مضغوط، ولكن طريقة تسويقه هى التى تتغير. وأعتقد أن النص الجيد يفرض نفسه بقطع النظر عن شكل تقديمه إلى القارئ. ومع ذلك من المهم أن نؤكد على خصائص صارت تجعل من النشر الإلكترونى على شبكة الانترنت تجربة مختلفة ومثيرة. أتحدث هنا خاصّة عن التفاعليّة التى هى السّمة الأساس للنشر الإلكتروني. وسأعطيك مثالا معبّرا: لقد نشرت قصتى "ساعة اينشتاين الأخيرة" أوّل مرة فى موقع "دروب" الإلكتروني، وأدّت تعليقات القراء إلى نقاش مثمر جعلنى أغيّر نهاية القصة وعنوانها بناء على رغبة القارئ. إننا الآن فى عصر الأدب التفاعلى وعلينا أن نستفيد من هذه الإمكانات بأفضل شكل ممكن.


هل سيساهم الانتشار السريع لهذه البوابات فى تعميق أزمة القراءة والكتاب أم فى اكتشاف طرق جديدة للقراءة وفرسان جدد فى الكتابة؟

رغم ما يبدو من أزمة ظاهرة للكتاب، إلا أن الكتب تباع اليوم أكثر من أى وقت مضى. وهذا أمر تؤكده الإحصائيات. الخوف إذن ليس من اندثار الكتاب ولكن من اندثار القارئ الذى تعددت أمامه سبل الترفيه ووسائل الاتصال. ومع ذلك، على حكوماتنا فى العالم العربى أن تضع الكتاب فى أعلى سلم أولوياتها و توليه عناية أكبر.


تفاجأت بغياب "القصة القصيرة جدا" فى مجموعتك الأولى هذه، فهل هو موقف من هذا النمط المستحدث فى القصة أم لديك بعض المحاولات التى لم يحن قطافها بعد؟

على عكس ما يظن البعض، القصة القصيرة جدا ليست جنسا أدبيا مستحدثا وإنما هى جنس يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. وقد مارس عدد من كبار الكتاب هذا النوع من القص من أمثال "كافكا" و"بريشت" والكاتب اليابانى "ياسونارى كاوباتا". وبلغ هذا الفن ذروته لدى كتاب أمريكا اللاتينية مثل "بورخيس" و""ماريو بينيديتي" و"إدواردو غاليانو". أعتقد أن هذا الجنس الأدبى الصعب لم يبلغ بعد سن الرشد فى العالم العربي، فبالرغم من كثرة القصص القصيرة جدا إلا أن قليلا منها يقنعك بجودته.


شخصيا لدى بعض التجارب فى هذا المجال إلا أنها لم تجد لها مجالا للنشر فى هذه المجموعة نظرا لأن القصص التى تكونها يربط بينها نوع من الوحدة المعنوية، وان كان نص "محاولات سيزيف" يقترب كثيرا من هذا النوع من الكتابة.


ماهى إصداراتك القادمة؟

لدى عدد من الكتب المترجمة جاهزة للنشر، إضافة إلى نص روائى أشتغل عليه حاليا وأتركه مفاجأة للقارئ.


2008-06-30

صحيفة "تشرين" السورية: "المجانين يصدّقون المجانين...ساعة اينشتاين الأخيرة" بقلم: مصطفى علوش



"آه، كم هي الحياة جميلة"، كثيراً ما أردد تلك العبارة بعد قراءتي لعمل إبداعي مدهش، ولأن الأعمال المدهشة قليلة فإنني أرددها قليلاً:

مجموعة القاص التونسي وليد سليمان "ساعة اينشتاين الأخيرة" جعلتني أردد العبارة السابقة «كم هي الحياة جميلة..» وتكاد لغته القصصية الهاربة من قاموس الإبداع والمتوضعة في قصصه، تجعله يتقن لعبة السحر والتشويق، فالقصة ليست معنى فقط، وليست تشويقاً فقط، إنها مزيج من هذين العالمين.. مزيج يمر بمختبر الرواية الفردية، وتكون المحصّلة نصاً قصصياً.. ‏

ربما علينا الاقتراب من بطل قصته الأولى اينشتاين، هذا المغرم بتصليح الساعات والعبقري في مهنته تلك.. لكني آثرت الاقتراب أولا من قصته: "كلام مجانين" لأن فيها الكثير من السحر القصصي.. ‏

فالبناء الفني في القصة يعتمد على الحوار بين شخصيتين، رجل وامرأة، حوار مليء بالمعرفة الثمينة، والنقد العميق لأحوال العالم، واقتراب من عمق المشكلات المعاصرة للإنسان: ‏

"قالت: ـ قل لي شيئاً مجنوناً.. قال: ـ مثل ماذا؟ ‏

قالت: ـ أي شيء، شرط أن يكون فيه جنون. ‏

قال: ـ والعقل؟ ماذا نفعل به؟

قالت: ـ دعنا من العقل، فلو كان العقل ينفع، لنفع أصحابه..." ص 49. ‏

يعتقد القارئ للقصة أن حباً عارماً يجمع بين هذين الشخصين فقط إضافة إلى أن تفاصيل الحوار ممتعة، مليئة، مكتنزة المعنى. ولأن الضد يظهر حسنه الضدّ. يمكننا تذكر بعض الكتابات القصصية الهشة، المليئة بالسرد المبالغ فيه والوصف المتراكم، الشبيه بالشحوم الثلاثية. كتابات قصصية أو «هكذا تزعم» ممتلئة باللامعنى، وطافحة بالهراء. والخيبة الكبرى حين يتصدى بعض الزاعمين أنهم نقاد ليفندوا لنا أسرار تلك القصص. وتصير اللعبة مقيتة حين تكون المجموعة لقاصة، والناقد ذكراً حتى في نقده، نعود لمبدعنا التونسي وجنونه الجميل..

تتابع تلك العاشقة حوارها الممتع وتقول لعاشقها. ‏

"قالت: الجنون أعلى مراحل السعادة. ‏

قال: ـ الجنون أعلى مراحل الغباء. ‏

قالت: ـ ومع ذلك لم يتوصل أحد إلى حد الآن إلى تفسير الجنون. ‏

قال: ـ ربما الوحيد الذي يقدر على تفسير الجنون هو المجنون نفسه. ‏

قالت: ـ ما جدوى أن يفسّر مجنون الجنون، إذا كان لا أحد يصدّق المجانين أصلاً.. ‏ قال: ـ المجانين يصدّقون المجانين" (ص 52) ‏

وتكتشف في ختام القصة أن هذين الشخصين هاربان من مصحة الأمراض العقلية.. "وعندما استمعا إلى ما قاله المذيع انفجرا في ضحك مجنون" ص54. ‏

وليد سليمان رغم وضوحه وقدرته على انجاز جملة قصصية مكتملة وسريعة أيضاً يترك للقارئ فسحة للتفكير. فهو لا يعطي كل شيء دفعة واحدة.. هنا أيضاً نتذكر د. منى العيد وهي تدلنا الى أن للنص صمته وهذا يعني أن يكون للقارئ حضور فيه. و"هو أن يكون ملامساً لمنبته، لثنائية الكلام، أي لآخر لا يولد الكلام إلا معه، هكذا يبدو لي أن قصر مدة الشريط اللغوي، وما يمكن أن يتركه هذا القصر على الصياغة وعلى عالم القص هو ما يميّز القصة القصيرة ويترك لها في الوقت نفسه إمكانية مفتوحة لتشكيل قصصي أطول.. إن طول الشريط اللغوي. أو مدته هي الظاهرة الأبرز في تمييز القصة كقصة قصيرة" ‏

وما تدلنا عليه د. العيد ظهر عند وليد سليمان في قصته "ساعة اينشتاين الأخيرة" فهذا المهني العبقري، الذي صلّح كل الساعات التي مرّت عليه، انتحر حين وصلت ليديه ساعة تايوانية ولم يستطع إصلاحها.. ‏

صمت النص، يحيلنا إلى أسئلة عديدة نوجهها لذواتنا ونحن نقرأ، هل قصد القاص هجاء استهلاكية الزمن؟ أم أن قصده هجائية الموجات الحالية لتلك الصناعات الاستهلاكية الخاصة ببعض الدول مثل تايوان؟ أم قصد ذلك التحدّي الذي انهار بسبب العجز؟ ‏

أم أن الغاية هجاء عصر بكامله يتجه نحو التسليع الكامل لكل شيء..؟ إضافة الى أسئلة عديدة ستأتي للذهن مع كل قراءة جديدة لهذه القصة... "حل الفجر وهو ما زال يتصارع مع تلك الساعة العجيبة، ونسي حتى أن يغلق باب غرفته، ولم يعد يفكر حتى في الأكل والنوم..." (ص18)

قصص وليد سليمان هذه امتلكت مقومات بناء القصة الناجحة وصاحبها محترف في تقديم نصّه..لأنه أمسك بحدته في زمن مناسب ومكان ملائم وطوّره درامياً بما يخدم نهايته فلا حشو ولا كلمات بلا معنى، إنما نشوة معنوية للقارئ.. ‏

ومعرفة لائقة تتفهم ثقافة قارئها وتحترمه أيضاً. ‏

وأخيراً نقول مع بطليه في كلام مجانين: ‏

المجانين يصدقون المجانين.

مصطفى علوش
صحيفة تشرين-
دمشق
ملف الأسبوع الثقافي

السبت 28 حزيران 2008


2008-06-18

في أخبار الأدب هذا الأسبوع: "وجه سيزيف بأقنعة شتى" بقلم: د. مصطفى الكيلاني




-1-

ثمّة مشترك دلالي تقريبيّ يصل بين مُختلف أقاصيص "ساعة اينشتاين الأخيرة" لوليد سليمان (1) يمكن اختصاره بدءا وليس انتهاء في المُفتـَقـَد، هذا الموصوف المرجعي تؤدّيه الذات الساردة بمتعدّد اللحظات والشخصيات والمواقف من خلال تسعة مشاهد قصصيّة، الواصل بين أغلبها ضمير مفرد متكلّم، هو الشاهد على ما يحدث بالاسترجاع عند إحالة الأحداث على سياقات أزمنة مختلفة.

فيعرض لنا بـ"ساعة اينشتاين الأخيرة" (2) الواردة في بدء المجموعة، الوجه الأول لهذا المُفتقـَد مُمَثـّلا في شخصية الساعاتي المُكنّى "اينشتاين"، وقد اتّخذ له شاكلة السرد المشهدي السينمائيّ الذي يتحدّد بستة مقاطع تتواصل عبر ذاكرة السارد وموقع الرؤية القائمة على التـّبعيد حينا والتـّقريب أحيانا. فتتعالق أدبيّة السرد والمشهديّة السينمائيّة في بنية مُشترَكة تعتمد التواتُر في المقاطع السرديّة الثلاثة الأولى بتكرار الفعل عند توصيف أعمال "اينشتاين" كي يحدث الإبدال منذ المقطع الرابع : "مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا. فبالرغم من أنّه يوم من أيّام الربيع، إلا أنّ الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق" (3)، لينزاح السرد عن تكرار الفعل ممثّلا في اقتدار "اينشتاين" على إصلاح كل الساعات مكتفيا بالأجر الزهيد إلى إحداث مفاجئ سرّع في مسار الفعلية عبر كل من المقطع الرابع والخامس والسادس حينما عجز الساعاتي ولأول مرة، عن إصلاح الساعة التايوانيّة الرخيصة. وإذا الفعليّة التي تُحَدّ بها شخصية اينشتاين تتّخذ لها إصلاح الساعات مسلكا وجوديّا في الأصل والمرجع قصد إثبات الإرادة وتحدّي الوهن وأبسط أدوات الإصلاح في كيس بلاستيكيّ، وعلى الرصيف في أحد شوارع تونس العاصمة.

-2-

هو الشعور بالنُقصان يحفز الشخصية على الفعل لمُغالبة ثقله المضجر بالفعل وتكراره دُون توقــّف ولتأجيل كارثته التي تحققــّت في الأخير بحدث الانتحار.

فنتمثل بهذه المسار الحدثيّ بنية مشهديّة صيغت بتفاصيل الأحداث وموصوف الأشياء داخل المكان الأوّل، ذلك الرصيف المقابل للمتجر حيث يشتغل السارد، وضمن المكان الثاني مُمَثــَّلا في شقــّة "اينشتاين" الذي قضى آخر لياليه في صراع مع الساعة التايوانية المعطوبة دون جدوى، لينقضي المشهد الأخير بالفاجعة.

وبهذا الوصف المشهدي تمثــّل أولى أقاصيص المجموعة موقفا سيزيفيّا استمدته الذات الساردة من زخم الوقائع المعيشة بوصفيّة هي أقرب إلى المُطَابَقة، وبإيحاء أخصَبَه وهَج تلك الوقائع التي تحولت بفعل السرد من أحداث عابرة إلى لحظات استثنائية تتجاوز حدود المكان والسياق المجتمعي التي تحيل عليه الأقصوصة إلى مجال أرحب، هو الحياة الإنسانية حينما تسفر دلالة النقصان عن الرغبة في تواصلها مع إرادة الفعل وارتداد هذا الفعل إلى أحطّ مراتب العجز لتصطدم الرغبة آنذاك بنقيضها الذي هو الموت الملازم لها والحافز على مزيد من الرغبة في حالات الكائن المختلفة الذي يصرّ على الاستمرار في الوجود، كأن تلوذ به فرارا من جحيم الوهن الناتج عن خيبة الأمل، الملل، الرعب...فتتسع دائرة المفتقد في ذات الشخصيّة القصصيّة كي يستحيل الوجود إلى وضع غير محتمل. وبذلك تتدحرج صخرة "سيزيف" إلى أسفل الوهاد مخلـّـفة وراءها جثـّة هامدة.

وإن حقــّـق "اينشتاين" الساعاتيّ بعضا من التوازن النفسي آن تـَقـْضيَة الرغبة بالفعل وتكرار الفعل نتيجة التواصل النابض حياة بين الجسد والعقل فقد اصطدم الفعل أخيرا بصخرة الاستحالة حينما تعطّـلت الإرادة بعجز العقل عن أداء وظيفته وفقدت الرغبة الأساس الذي به كانت وتكون، ليتقوّض كل شيء ويضحي الجسد كلاشيء، فينتفي وجوده قبل أن يهلك بعد أن فـَقـَد أهمّ صفاته الجسديّة التي تفارق بين جسد الموجود (Etant) ، بالمنظور الهيدغري، والجسم، أي جسم.

-3-

كذا يتـّسع المجال التناصّيّ باستقدام المشهديّة السينمائيّة، في تقديرنا، القرائيّ، إلى أدبيّة السرد، وبالتوغّل في كتابة سردية تحتفي بذلك "السطح العميق" حيث الواقعية أبعد من أن تفتعل بالمطابقة الساذجة، والرمز ماثل في الموصوف السرديّ ذاته، بلا تقصّد للإغماض، كأن تفكّ شفرته عند القراءة دون كبير عناء.

ولعل المُفتـَقـَد، هنا، الذي يختصر مجمل تاريخ المأساة الإنسانية، إضافة إلى معنى اللا ّ-مُكتـَمـَل في الوجود وفعليّته يتحدّد أيضا بصَمَم العالم، بوهم استماع الآخر للموجود، للاعتراف به على الأقلّ، لإثبات أنّه موجود مختلف.

لذلك تتّسع دائرة هذا المفتقد كي تبتلع مجمل الكيان حينما يستبدّ الثقل مطلقا بالخفـّة أو إمكان الخفـّة (4)، وينقضي مشهد الكائن البشريّ المستعاد في الوجود بـ"الصخرة" تهوي إلى أبعد الأسافل وبالـ"جثّة" الهامدة.

-4-

إنه الانقطاع، إذن، يتوّج آخر لحظات مشهد المفتقد، أو الانقضاء، يرد استباقا عند الاستذكار السرديّ، كالذي تشي به أقصوصة "قي ساحة جان جينيه" من أحداث عبرت مساحة الذات ثم تلاشت لتترك أثرا لوجهٍ كان وقطيعة وجوديّة بين لحظتين متباعدتين، بين معرفة عابرة لشخص مختلف وصورة وجهٍ معلـَّقة فوق أحد رُفوف الكُتُب: "تركت الباب الذي كان في يدي على الرفّ كيفما اتّفق وتقدّمت نحو الصورة لأقرأ ما كـُتب تحتها. وحين قرأتُ الإسم، لم أصدّق أن ذلك الشخص الحليق الذي كان يجلس بجانبي ويحادثني هو صاحب تلك الصورة: جان جينيه" (5).

ويستمرّ السّارد في تقليب هذا المُفْتقـَد، إذ تسفر أقصوصة "ثلاث ساعات في فيوميتشينو" عن حَدَث آخر لهذا الذي يعرض أو يعبر حياة الكائن البشري كي يحدث ندبا عميقا في النفس ووقعا دفينا ينذر بالانقضاء القادم بناء على انقطاع ٍ كان، كالفتاة "أنابيلا" الإيطالية تظهر في لقاء عارض مع الأنا-السارد لتترك تذكارا وذكرى لأثر ضائع (6)، وكرمزيّة المعاناة تتضمّنها أقصوصة "محاولات سيزيف" بتحمّــُل "الثقل" إلى آخر لحظة في الوجود، وكالعقل في "كلام مجانين" ينتهي إلى الجنون، وكسحر البدايات في "القبلة" يترك في النفس حنينا إلى لحظة سعادة أولى متقضِية لا يمكن استعادتها، وكفرح الكتابة الأولى بعد الشروع في قراءة "دوستويفسكي"، وكموت الأم وقرار الأب الزواج في "ذات مساء"، وحبّ أم البنين" لوضّاح اليمن، وهي الزوجة للوليد عبد الملك...

وإذا الوجود في "ساعة اينشتاين الأخيرة" (المجموعة القصصية) مشروط بالنُقصان، محكوم بذلك المفتقـَد الذي سرعان ما تتّسع دائرته ليشمل مُجمل الكيان.

ولئن اتـّجه السّرد القصصيّ إلى كتابة البعض من التفاصيل بواقعيّة المعيش اليوميّ، باستثناء "محاولات سيزيف" و"كلام مجانين" و"كابوس وضّاح" حيث الأفكار تتدخّل استنادا إلى ثقافة الكتابة عامّة فإن للشخصيات حضورا بارزا، بل إنّ السرد القصصيّ، هنا، هو في الأساس والبدء والمَرجع، سرد شخصيّات: اينشتاين والأنا- المُسافر و"أنابيلا" الفتاة الإيطاليّة والزوجان المجنونان والفتى العاشق والمراهق والفتاة الرسّامة والأب وأمّ البنين ووضّاح اليمن.

أما الواصل بينها فهي الرغبة تنقطع بسبب عجز في الداخل أو حدث طارئ أو تعطـّـُل إدراك عقليّ أو انقضاء زمن أو استحالة محض مَرَدّها تدخّل سلطة مجتمعيّة قاهرة. وفي كلّ الحالات والمواقف يتحدّد الموجود، شأن الوجود، باللا ّ- مُكتمَل، إذ يسعى الموجود بالوهم حينا والاستيهام (fantasme) أحيانا إلى تحقيق "الاكتمال" دون جدوى ليظلّ محكوما في الدّاخل بذلك الصراع التراجيديّ الحاد بين الإمكان والاستحالة، إذ تحفزه الرغبة على تحدي العجز ليصطدم مرارا وتكرارا بحقيقته المؤلمة.

ولئن اختلفت الأقاصيص باختلاف اللحظات والأساليب فان الجامع بينها رُوحٌ كتابية متوثّبة تسعى إلى انتهاج سبيل السرد القصصيّ برغبة المُطابَقة الموحية معا، واعتماد كيمياء الحكاية ووهج الشعر في بنية نصيّة واحدة مشتركة.

هو، لا شكّ، بدء المشروع الكتابيّ يعد ضمنا بنصوص قصصيّة وروائيّة، وربما شعريّة قادمة. فماذا، إذن، بعد "ساعة اينشتاين الأخيرة"؟

__________

الهوامش:

1- وليد سليمان، "ساعة اينشتاين الأخيرة"، تونس: منشورات وليدوف/ سلسلة ديدالوس، ط1، 2008.

2- عنوان إحدى الأقاصيص، والعنوان الجامع لها.

3- السابق، ص 12.

4- ميلان كونديرا، "كائن لا تحتمل خفـّته"، ترجمة ماري طوق، لبنان المغرب: المركز الثقافي العربي.

5- "ساعة اينشتاين الأخيرة"، ص 26.

6- "أخرجت من جيبي الدلفين، ورحت أتأمّله بخيبة...هذا كل ما تبقىّ من "بيلا" أو "أنابيلا" المولودة في مثل ذلك اليوم: السادس من أفريل، والتي لا أعرف إن كنت سألتقي بها مرّة أخرى".

السابق، ص 40.


أخبار الأدب المصرية

العدد 781

29 يونيو 2008


2008-03-31

المترجمون الطيبون المساكين

لقد قال أحدهم إن الترجمة هي أفضل طريقة للقراءة. أعتقد أيضا أنها أصعبها وأكثرها جحودا وأقلها ربحا. المترجم خائن TRADUTTORE, TRADITORE، تقول اللازمة الايطالية الشهيرة، مفترضة أن من يترجمنا يخوننا. وقد كشف موريس إدغار كواندرو، الذي يعتبر واحدا من المترجمين الأكثر ذكاء وسخاء في فرنسا، في مذكراته الشفوية، عن أسرار تتعلق بالكواليس تسمح لنا بأن نظن العكس. "المترجم هو قرد الروائي"، قال، محورا مقولة مورياك، وكان يعني بذلك أن المترجم يتعين عليه القيام بنفس الحركات واتخاذ نفس أوضاع الكاتب، سواء أعجبته أم لا. ولم تكن ترجماته إلى الفرنسية لروائيي أمريكا الشمالية، الذين كانوا شبابا وغير معروفين في زمنه- وليام فوكنر، جون دوس باسوس، إرنست همنغواي، جون شتاينبك- لم تكن فقط إعادة خلق رائع، ولكنها أيضا قدمت في فرنسا جيلا تاريخيا يعتبر تأثيره بين معاصريه الأوروبيين- بما فيهم سارتر وكامو- أكثر من جلي. وبذلك لم يكن "كواندرو" خائنا، ولكن العكس تماما: متواطئ رائع. ومثلما حدث مع المترجمين الكبار في كل الأزمنة، حيث يمر إسهامهم الشخصي في العمل المترجم دون أن ينتبه إليه أحد، في حين يتم تعظيم النقائص.

عندما نقرأ لكاتب في لغة غير لغتنا تتملكنا رغبة شبه طبيعية في ترجمته. وذلك مفهوم، فمن بين متع القراءة – مثل الموسيقى- هناك متعة تقاسمها مع الأصدقاء. وربما يفسر ذلك أن مارسيل بروست قد مات دون أن يحقق إحدى رغباته المتكررة، والمتمثلة في ترجمة شخص غريب بالنسبة إليه مثل جون رسكين من الانجليزية. هناك كاتبان من بين كل الكتاب يحلو لي أن أترجمهما لمجرد متعة فعل ذلك هما "أندري مارلو" و"أنطوان دي سان اكزوبيري" اللذين لا يتمتعان، والحق يقال، بأقصى تقدير من قبل أبناء بلديهما الحاليين. ولكن ذلك لم يتجاوز الرغبة أبدا. وفي المقابل، أترجم منذ مدة طويلة قطرة قطرة "أناشيد" جاكومو ليوباردي، ولكنني أفعل ذلك خفية في ساعات فراغي القليلة، مع الوعي التام بأن ذلك لن يكون الطريق الذي يؤدي بنا إلى المجد لا ليوباردي ولا أنا. وأنا أفعل ذلك فقط كواحدة من تسليات الحمام تلك التي يسميها الآباء اليسوعيون لذات متوحدة. ولكن مجرد المحاولة كانت كافية بالنسبة إلي كي أدرك كم هو صعب، وكم يتطلب منافسة المترجمين المحترفين من انكار للذات.

من غير المرجح كثيرا أن يرضى كاتب عن ترجمة لأحد أعماله. في كل عبارة، في كل جملة، في كل تأكيد في الرواية نكاد نجد دائما مقصدا آخر خفيا لا يعرفه إلا الكاتب. لذلك لا شك أنه من المحبذ أن يشارك الكاتب نفسه في الترجمة قدر الإمكان. وفي هذا السياق، هناك تجربة تستحق الذكر وهي الترجمة الاستثنائية لـ"عوليس"، رواية جيمس جويس، بالفرنسية. وكانت المسودة الأولى المبدئية قد قام بها كاملة وبمفرده "أوغيست موريل" الذي اشتغل بعد ذلك إلى غاية النسخة النهائية مع فاليري لاربو وجيمس جويس نفسه. وكانت النتيجة عملا رائعا بالكاد تتفوق عليه – حسب شهود مطلعين- ترجمة "أنطونيو هوايس" إلى برتغالية البرازيل. والترجمة الوحيدة بالاسبانية، في المقابل، هي غير موجودة تقريبا. ولكن قصتها تصلح لأن تكون عذرا لذلك. فقد أنجزها لنفسه، لمجرد التسلية، الأرجنتيني "ج. سالاس سوبيرات"، الذي كان في الأصل خبيرا في التأمين على الحياة. وقد اكتشفها الناشر سانتياغو رويدا، من الأرجنتين، في ساعة شؤم، ونشرها في نهاية الأربعينات. والواقع أنني عرفت "سالاس سوبيرات" قبل بضع سنوات في كاراكاس خلف مكتب بلا اسم لشركة تأمينات، وقضينا ظهيرة رائعة متحدثين عن الروائيين الانجليز الذين يكاد يعرفهم من الذاكرة. والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت تشبه الحلم: كان يرقص، وقد تقدمت به السن كفاية، متوحدا أكثر من أي وقت مضى، خلال العجلة المجنونة لكرنفال "بارانكيا". وكانت رؤية غريبة إلى درجة أنني قررت عدم تحيته.

هناك ترجمات أخرى تاريخية، وهي تلك التي أنجزها "جان أوبري" و"فيليب نيل" لروايات "جوزيف كونراد". وولد هذا الكاتب الذي يعتبر من أكبر الكتاب في كل العصور- واسمه الحقيقي جوزيف تيودور كونراد كورزينيوفسكي- في بولندا، وكان والده مترجما لكتاب انجليز من بينهم شكسبير. وكانت اللغة الأساسية لكونراد هي البولندية، ولكنه تعلم منذ نعومة أظفاره الفرنسية والانجليزية، وتوصل إلى أن يكون كاتبا باللغتين. واليوم يعتبر، سواء كان ذلك مبررا أم لا، واحدا من معلمي اللغة الانجليزية. ويروى أنه قد جعل حياة مترجميه الفرنسيين لا تطاق محاولا فرض إتقانه عليهم، غير أنه لم يقرر أبدا أن يترجم نفسه. وهذا غريب، غير أننا لا نعرف كتابا كثيرين مزدوجي اللغة فعلوا ذلك. والحالة الأقرب بالنسبة إلينا هي حالة "خورخي سمبرون"، الذي يكتب نفس الشيء بالاسبانية أو الفرنسية، ولكن دائما على حدة. وهو لا يترجم نفسه أبدا. وماهو أغرب حتى من ذلك هو الايرلندي "صامويل بيكيت"، الحائز على جائزة نوبل في الأدب، الذي يكتب ذات العمل مرتين، ولكن الكاتب يصر على أن كل منهما ليس ترجمة للأخر، وإنما هما عملان مختلفان بلغتين مختلفتين.



2008-03-27

نكبة أن تكون كاتبا شابا

ضمن قدري المزدوج كصحفي وكاتب، أتذكر إلى الآن أمرين فقط أشعر عليهما بالندم، وهما حصولي على جائزتين أدبيتين. الجائزة الأولى كانت في العام 1954 وكانت تحت إشراف جمعية كتاب كولومبيا التي توسل إلي سكرتيرها آنذاك أن أشارك بقصة غير منشورة، لأنه لم يتقدم أحد بعمل يستحق الاهتمام، وهو ما جعلهم يخشون أن تمنى المسابقة بالفشل. أعطيته قصة بلا نهاية عنوانها: "يوم بعد السبت"، وبعد أيام قليلة ظهر في مكتبي وهو يلهث ليقول لي، وكأن الأمر يتعلق بمعجزة لا دخل له فيها، إن الجائزة الأولى قد أسندت إلي. لم أعد أذكر كم كانت قيمتها المالية، غير أنني متأكد من أنها كانت بالكاد تكفي للاحتفال بالنصر. وكان أكبر كسب بالطبع هو أصداء ذلك في الصحافة. بالرغم من أن سني حينذاك لم تتجاوز الخامسة والعشرين إلا أنني لم أكن ميالا أكثر من اللزوم إلى مثل هذا المجد الفجائي، ذلك أنني قضيت خمس سنوات أكسب فيها قوتي من خلال الأعمدة الصحفية التي اكتبها في جرائد الأقاليم، فقد كنت في ذلك الحين مخبرا صحفيا ميدانيا في "الاسبكتادور". وكان ما بقي لدي بعد حفل توزيع الجوائز المهيب الذي ألقيت خلاله الأزهار على المنصة وألقيت فيه خطب مرتعشة هو الانطباع السيئ جدا بأنني قد شاركت في مهزلة علنية.

كانت المسابقة الثانية أكثر بؤسا. وقد نظمها في العام 1962 فرع كولومبي لشركة بترول أمريكية، وتتمثل جائزتها في نشر العمل و3000 آلاف دولار بالتمام والكمال من عملة تلك الفترة. كنت أعيش في "مكسيكو"، ولم أسمع حتى بذلك العرض المغري، غير أن المشرفين عليها أرسلوا إلى صديقي العزيز الأستاذ غييرمو أنغولو، وقد دفعوا كل المصاريف، لكي يقنعني بالمشاركة في المسابقة. وكان السبب في ذلك المسعى هو ذاته: لم يرسل أي كان عملا يستحق الاهتمام، فكان المشرفون يخشون أن تمنى المسابقة بالفشل.

كنت قد انتهيت منذ أكثر من عام تقريبا من رواية لم أتعب نفسي في التفكير في نشرها، ذلك أن المتعة في ذلك الحين لم تكن في النشر، وإنما ببساطة في الكتابة. كنت احتفظ بالنص الأصلي ملفوفا ومربوطا بربطة عنق في قعر صندوق، وسلمته إلى "غييرمو أنغولو" مثلما هو، بربطة عنقه وكل ما يتبع ذلك، دون أن أكلف نفسي عناء إعادة قراءته ولا حتى التفكير في اختيار عنوان له. ولم أجد واحدا مناسبا إلا عندما كانت الرواية تحت الطبع: "ساعة الشؤم". بالثلاثة آلاف دولار اشتريت سيارة مستعملة وسددت مصاريف ولادة ابني الأصغر، الذي يكون بذلك قد جلب رزقه معه. غير أنني لم أسافر إلى "بوغوتا" لتسلم الجائزة مع أن كل المصاريف كانت مدفوعة، لأنه كان يخامرني شعور جاحد مفاده أنني قد شاركت مرة أخرى في الترويج لمؤسسة لا علاقة لها بالأدب.

بعد مرور عشرين عاما، وأنا أتذكر تلك الأزمنة الصعبة وأرى كيف تنتشر اليوم الجوائز الأدبية، مازلت أعتقد أن وساوسي في تلك الفترة كان لها ما يبررها. على أن الحماس شبه الصبياني الذي يتسابق به الكتاب الذين لهم اليوم نفس العمر ونفس الأوهام التي كانت لي في تلك الأيام، يجعلني أفكر أنهم لا يقاسمونني الحذر ذاته، وإنما العكس، وان معظمهم لا يكتبون بدافع حاجة لا فكاك منها، كما ينبغي للأمر أن يكون، وإنما فقط لربح مسابقة، وهو أمر يجب أن يشعرهم بالخطر، مثلما يشعرني بالخطر، إذا كانوا مستعدين بحق للدخول مباشرة إلى جحيم الكتاب الكبار.

في الواقع، لا تخدم المسابقات الأدبية التي تشرف عليها دور النشر مصلحة أحد بقدر ما تخدم مصالحها هي. فالناشرون يظنون، منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي ظهروا فيه للوجود، أنهم يتفضلون على الكتاب بنشر أعمالهم، وخصوصا الكتاب الجدد، ومن ثمة يتعين على هؤلاء أن يدفعوا لهم مقابلا لنشر أعمالهم. لقد قال لي ناشر قبل فترة وجيزة إن صناعة النشر لا تقوم على الكتاب، ولا على الكتاب والناشرين مجتمعين، وإنما على الناشرين فقط. وأجبته أن ذلك يشبه الادعاء أن صناعة البترول تقوم بها فقط شركات البترول، دون مساهمة البترول المتواضعة. وهذا الاعتقاد بدور المخلَص الذي تؤمن به دور النشر كقدرها، هو الذي جعلها، دون شك، تطلق أكذوبة المسابقات الأدبية. إنهم ينظمونها ويحدثونها بزهو المتكرم على البشرية وملائكة الثقافة، في حين أن كل ما يفعلونه في الحقيقة هو الترويج لاسم مؤسساتهم على ظهور الكتاب الذين لا يجدون من ينشر لهم، مثلما لم يجد أي من الكتاب العظماء في بداية حياتهم من ينشر لهم.

طافت بذهني هذه الأفكار بخصوص المعركة العادلة والمتوحدة التي يخوضها روائي كولومبي شاب ضد فرع دار النشر "بلاثا أي خانس" في كولومبيا، وهي التي أسست في هذا البلد جائزة سنوية للرواية. وتبلغ الجائزة، حسب ما تقول قواعد المسابقة، 300 ألف بيسوس كولومبية، أي ما يعادل 6 آلاف دوار. ولكن الحقيقة هو انه لا وجود لجائزة، ذلك أنهم كانوا يجبرون الفائز على إمضاء عقد ينص على أن هذا المبلغ تسبقة على حقوق المؤلف، وبالتالي سيتم خصمه من المستحقات التي تدفع دوريا. ولكن هناك ماهو أسوأ. حقوق المؤلف التي يتحصل عليها المعني ليست 10% من ثمن الكتاب، مثلما هو متداول، وإنما 7 % فقط. وهذا يعني انه ببيع طبعة بـ 3000 نسخة- تباع بسهولة، نظرا لصدى المسابقة- يغطي الناشر جميع التكاليف، ويربح، علاوة على ذلك، الدعاية المجانية التي تقوم بها الصحافة للمسابقة، بدعم من الهيئات الثقافية والمشاركة البهيجة للكتاب والفنانين الآخرين. ولو حسبنا بتحفظ ما تربحه "بلاثا اي خانس" من خلال الدعاية المجانية بفضل مسابقتها السنوية لوجدنا 3 ملايين بيسوس. وهو ما يعني أن الكاتب المستجد لا يتعرض فقط لعملية سطو وإنما يكون وسيلة لثراء الناشر أكثر بأقل مجهود. وكأن ذلك غير كاف، يضمن العقد الممضى لدار النشر حقوق الكتاب مدى الحياة، وليس طيلة خمس سنوات، كما يفترض أن يكون، وفي منطقة محدودة، ولكن لكل البلدان الناطقة بالاسبانية. غير انه ما إن تنفد طبعة إطلاق الكتاب، يظل هذا الأخير سجين العقد ودون أمل في طبعة جديدة، ولا يوزع في كامل المنطقة التي ينص عليها العقد، ولكن بمشقة كبيرة في البلد الذي فاز فيه بالجائزة.

هو ذا لب المسألة: لا توجد نكبة أكبر في هذا العالم من أن يكون الإنسان كاتبا شابا. وخاصة في هذه الأزمنة التعيسة التي صارت الشهرة فيها تقليعة. في ما مضى، عندما كنا نكتب نحن الأدباء الشبان لأنه ليس لدينا علاج آخر، كانت لدينا فضلا عن ذلك المزية المتمثلة في أن الناشرين يتركوننا وشأننا. لقد احتجت إلى خمس سنوات لأجد من ينشر لي روايتي الأولى، وكان الشخص الذي قابلته هاو ودون موارد فر من البلد لتجنب الدائنين. وقد طلب ادواردو ثالاميا بوردا، الذي كان أبي الروحي الحقيقي في الأدب، طلب حينئذ من أصدقائه أصحاب المكتبات أن يشتروا الكتاب من مخازن المطبعة، وكتب أصدقائي الأبديون الآخرون مقالات صحفية لكي يعرف الناس أنه موجود في السوق. قبل بضع سنوات، اكتشفت أن النسخ المتبقية من تلك الطبعة الفقيرة التي تتضمن ألف نسخة كانت تباع في شوارع بوغوتا مقابل بيسو للنسخة، واشتريت منها كل ما استطعت، يحدوني انطباع باني اشتري الفضالة المتبقية من ماضي. أحب سرد هذه الأشياء ليس بسبب هوس الكتاب بالحديث عن أنفسهم، ولكن على أمل أن ينفع ذلك الأجيال القادمة التي مازالت تعتقد أنه يمكن العيش بدون ناشرين. وذات يوم – أرجو أن لا يكون بعيدا- سوف يقتنعون ليس فقط بأن ذلك ممكن، ولكن بأن العكس هو الصحيح: الناشرون هم الذين لا يستطيعون العيش بدوننا. "الناشرون المساكين".